العذر الوحيد الذي تواطأ البشر على قبوله، ولا يُطلب من صاحِبه الاعتذَار أو التبرير، فقط يقوُل (نسيتُ)، حتى وإن كانَ كاذباً، وعلى الآخرينَ بعدها مسؤُولية البحثِ عن حُلول مُناسبة!
هو حَلٍ رائع لكنه مُضحك، لذلك لم يَقبله البُهق ولا الصعاليكَ ولا ذَوي البشْرة الداكنة جداً! هم لا يقُولوا ذلك صراحَة، لكن يمُكن أن تسنتجَ ذلك بِسهولة من خلال تفرُسهم في ملامحِ الآخرين..تلكَ النظرةِ التي تسبِق الجزْم بقرارِ الاخِتلاف أو الازدراء أو الحِيرة!
وهم لا يَنكرون حُدوث النِسيان بالمُطلق، لكن لديهم قناعة عميقة، أن قُبوله بهذه السهولة والتسْليم، يثبّته وراثياً عبر الأجيال، فيتحول من حالة ظرفية طبيعية؛ إلى نسيان السؤال القديم، وهذا ليس مفيداً للبشر!
عارضني صديقي بشدة، وقال إن السؤال القديم الذي أعنيه قد قيل في وقتٍ ومكانٍ وعالمٍ مختلف، ويستحيل أن نتذكره على الأرض! أي نعم أنها كانت لكل منا فرصة وحيدة لتذكره لحظة الولادة لكنها في كل مرة تضيع ولا تعود أبداً، لأن القابلة ومن حولها شتتوا انتباهنا، فلا يتماسك بعدها أبداً! يبقى أثره فقط، كأثر ملامح حلم مليء بمعلومات كثيرة مفيدة ونُسي، أو كمرور صندوق كنز مؤكد لمحناه فجأة وتحرك بتسارع فوق سطح النهر واختفى …
عارضني صديقي، على أساس أنه يحيط بكل حيثيات القضية، وأن السؤال الذي أعنيه أكبر من أن يُنسى باختيارلأنه لم يكن سؤالاً عابراً في محفل بشري، بل كان السؤال الوجودي الأول، حين جمعنا الله سبحانه وتعالى في عالم الذر وسألنا، فأجبنا بكامل وعينا وإرادتنا، وقبلنا… ثم جئنا إلى هنا.
المشكلة أننا جِئنا ونسِينا ما قبلنا.
وهنا بالضبط يكمنُ الثقل، لأن النسيانَ هذه المرّة لم يعفِنا من شيء. فالعهدُ سارٍ، والأمانةُ محمولة، والحسابُ قادم، لمن تذكّر ولمن لم يتذكر سَواء.
ربما لهذا السببِ تحديداً، لا يقبل البُهق ولا الصعاليك هذا العذر بسهولة، لأنهم يشعُرون في أعماقهم أن ثمة شيئاً ما، كانوا يعرفونه، وضاع..



