قصة فلسفية ( قصة النملة)، كيف أن الإنسان تبعاً لتربيته تتشكل نظرته للحياة والإنسان والعالم، وكيف يصبح جزء من العقل الجمعي!
هل للنملة إرادة حرة؟
عندما كنت في السادسة قررت أن أتابع (نملة) ابتعدت عن أخواتها! كان ذلك وقت ظهيرة، وأنا أرعى غنمي – في عائلتنا يلزم أن يكون لك عمل تؤديه مقابل اعتبارك عضواً نافعاً-
أنا لم أكن أنوي إيذاء تلك النملة وهي تبتعد عن تجمع النمل، بل حاولت مساعدتها، كنت أضع يدي على الأرض حاجزاً كي تعود إلى جماعتها، لكنها لا تستجيب، بل زاد إصرارها في عناد واضح أن حاوَلَت تسلق يدي. أنا لا أسمح لها بذلك، لن أسمح أن تلامسني بأرجلها الكثيرة، فكلما اقتربت أرجعتُ يدي إلى الخلف، لعلها تتأكد أنه حاجز ثابت ويلزمها العودة، لكنها لم تتراجع.
رحلة عنيدة نحو المجهول
في تقديري أنها لم تته. وأنها ليست ذاهبة في مهمة موكلة إليها، لقد قطعت كل تلك المسافة في اتجاه واحد، لا تراعي ما أمامها، ولا تتأنى.. فخطر ببالي أنها ابتعدت حنقاً من جماعتها وقررت عدم العودة!
حينها ناداني إخوتي، أن أمي رأتني في الشمس وأرسلتهم لينذروني، أن ابتعد إلى الظل، وأرسلت معهم طعاماً، فكنت أحدثهم أن الشمس ليست قوية، لكنهم جادلوني إن لم تذهب إلى الظل فسوف تعاقبك!
خلال حديثي معهم اختفت (النملة)! تفحصت المكان، وحول أقدامهم، خشيت أن يكونوا قد دهسوها. لكني لم أجدها، لقد اختفت…
لم أرهق ذهني بالتفكير في الاحتمالات حول الاتجاه أو المكان الذي ذهبت إليه… أنا حزنت قليلاً أنها اختفت، فقد كنت أنوي الإمساك بها وإعادتها إلى بقية النمل.
عندما أخذوني إلى الظل وانشغلنا بالطعام الذي أرسلته أمي واهتمامهم الأخوي، كانوا يراعون أنني أصغرهم.. وفجأة وقف أخي الأكبر – عمره عشر سنوات- رافعاً ثوبه عن ساقه من حركة خشي أن تكون عقرباً أو ما شابه، فإذا هي تلك النملة تسلقت ساقه عندما كنا وقوفاً، ولم يتمالك نفسه، فأمسكها بين أصبعيه وفركها حتى تفتتت! وعاد إلى تناول الطعام، كأن شيء لم يكن!
تأملات في الحياة والموت
تذمرت في داخلي من ردة فعله، كان يمكنه إبعادها برميها على الأرض دون قتلها بتلك الطريقة، لكن اشتراك أخي الآخر في عدم المبالاة، بل والضحك والتندر على ما حدث، أنساني للحظة تذمري، وجذبتني مشاعرهما وتفكيرهما وأصبحت ضمن عقلهم الجمعي دون مقاومة، فسكتُ ولم أُعلق ولم أاعترض، بل سايرتهم أن ما حدث أمر طبيعي!
في المساء عاتبتني أمي وحذرتني، أن المكوث تحت الشمس فترة طويلة سيمرضني.. قال أخي: إنه كان يتابع (نملة) – قال ذلك وهو يبتسم- لكن أمي لم تبتسم بل كررت تحذيرها.
تبرير القسوة!
قلت لها: جميع النمل متشابهون، كيف لتلك النملة أن تعرف أمها؟! وهل ستفتقدها أمها إن تاهت؟!
-قالت: إنها مجرد نملة، هم أعرف كيف يتعاملون مع بعضهم، الأهم عندي ألا تسبب لنفسك المرض بالمكوث تحت الشمس.
بعد كلام أمي أصبحت أنظر إلى النمل بازدراء! ليمت من يموت، إنهم مجرد نمل كثير قبيح ألوانهم سوداء متشابهون!
همسٌ في الظلام المؤثر!
عندما آويت إلى فراشي، ونمت قليلاً، استيقظت من حديث خافت غير واضح يختلط ببكاء -كان أخواي نائمين- اقتربت من مصدر الصوت إنها أمي وأختي التي زارتنا هذا اليوم، وأمي تقول لها: كل الرجال يضربون، يلزمك التحمل والصبر، أنا كنت أُضرب من أبيك وصبرت. ضرب الرجال لزوجاتهم أمر طبيعي، وعلى الزوجة أن تتحمل. ثم تحدثت أختي لكن كلامها لم يكن واضحاً، لم اسمعه، سمعت أمي وهي ترد على كلامها: حتى وإن كان هو الغلطان، الزوجة تتحمل!
يصبح الصباح تاركاً أسرار الليل خلفه
في الصباح تبدأ العائلة يومها بالقهوة، أنا لم أُشِعر أمي أو أختي أني سمعت حديثهما ليلة البارحة، لكني كنت أُكثر النظر إلى أختي، وأنا حزين أني سمعت بكاءها بالأمس، وهي تتظاهر اليوم أمام أبي أنها بخير.. ويبدو أنه لا يعلم عن معاناتها، فقد قال لأمي بصوت منشرح، أنه اليوم سيحضر فني التلفاز من مركز المدينة – نحن آخر منزل في القرية يدخله التلفاز- الكهرباء دخلت قريتنا من شهر تقريباً، قريتنا نائية تأخر دخول الكهرباء بسبب بعدها عن مركز المدينة.
عرض أول للمأساة
عندما عدت قبل حلول المساء وجدتهم قد أنهوا تركيب التلفاز، والفني يعلّم أبي كيفية التشغيل وضبط الإضاءة والصوت…إلخ
اليوم الخميس: يوم التلفاز في بيتنا!
الساعة 7:00 مساء
(برنامج وثائقي: عن الحروب المعاصرة)
– بدأ البرنامج، مقدمة ومشاهد مختلفة…
– مشهد رئيسي، مشهد مسرب من كاميرا شخصية يُظهر مدنيين
– عددهم تسعة – حولهم الجنود ببنادقهم، وهم في حالة رعب الموت، يرتعدون لا يتكلمون من قلة الحيلة، ملامحهم موت ينتظرونه تبدو وكأنهم ينتظرون الموت وينتظرهم، وسط سيطرة الجنود وضحكاتهم…
التسجيل لا يظهر أصواتهم، إلا صوتاً متقطعاً لأحد الجنود في يده اليمنى رشاش يمسكه بخفة وبيده اليسرى سيجارة ينفخها بالشر والغضب، يتكلم والتسجيل غير واضح يتقطَّع، وهو يوجه كلامه للمدنيين المساكين، قال نحن هنا -#### تقطَّع الصوت – وسوف نتعامل معكم –#### تقطَّع الصوت – ونجد الآخرين –### تقطَّع الصوت- أنتم حشرات.
ثم أطلقوا عليهم وابل رصاص وقتلوهم جميعاً دون اكتراث!
النهاية
ملاحظة: رواية( أين الصورة؟) تشرح بشكل علمي موسع آلية السلوك الإنساني.



