في هذه القصة: اختار البطل ببراءة طفولة تعلُم كل شيء عن الخداع، لكنه لم يتوقع مواجهة الحقيقة في الكذبة الأخيرة!
عندما جربت الكذبة الأولى، علمت أنها لن تكون الكذبة الأخيرة! فقد وجدتها تأتي بنتائج فعّالة. بدأ ذلك وأنا في السابعة من العمر؛ كذبت على أمي أني مريض، فوجدتها تترك كل شيء كي تهتم بي. أمي لا تستطيع الاهتمام والتعاطف إلا بقدر ما يسمح لها الواقع البائس الذي تعيشه، فهي بين جهد ومشقة شؤون المنزل، وقسوة أبي الذي لا يرحمها أبداً، ورعايتها لإخوتي الأربعة.
لكني كنت أحتاج إلى الحب
فلجأت إلى الكذب! إنها غريزة البقاء التي تدفعني للبحث عنه، حتى وإن لم أدرك ذلك في حينه، مثلما تدفعنا بعد الولادة ودون إدراك منا، أن نتحسس بأفواهنا الغذاء من صدور أمهاتنا وأعيننا مغمضة، أو نبكي كلما شعرنا بجوع أو ألم.
الآن أستطيع تفسير لماذا كذبت كذبتي تلك على أمي وأنا في سن السابعة، ثم أصبحتُ بعدها كلما شعرت بنقص الحب لجأت إلى الكذب، بل وكان يسعدني أن أرى أمي حزينة من أجلي، وأرى قلق أبي، فأمعن في الكذب وكأني أقتص لأمي منه!
ثم علمت -من المدرسة، ومن أحاديث الناس- أنّ الكذب سلوك خاطئ، فقررت ألا أكذب. لقد قررت ذلك نظرياً، لكنني كنت أضطر إليه أحياناً. وعلى كل حال، فإن كذباتي أصبحت قليلة، ومع ذلك فقد قررت ألا أتركه نهائياً بسبب عدم الاستطاعة، بل إن تركته، أتركه بإرادتي مع وجود القدرة والمهارة.
ما كان يحيرني أن أمي أصبحت سريعة الاكتشاف إن كذبت؛ فهل تطورت مهارتها في فهمي؟! أم أنها كانت فيما مضى تعلم أني أكذب وتتغاضى عني؟! لا يهم، فقد تحول الأمر بيني وبين نفسي إلى تحدٍ أن أجعلها تصدقني. لذلك، قررت الاهتمام بالتفاصيل التي تستخدمها في اكتشاف كذبي ومعالجتها، كملامح وجهي، ونظرات عيني، ونبرة صوتي، وطريقتي في الكلام.
ظل الكذبة الأول
بدأ أول تحدٍ عندما اتهمني إخوتي أني أكلت من الكعك الذي حضّرته أمي لزيارة جاراتها، فقابلت الاتهام بالتفاجؤ والاستغراب وإظهار البراءة، ونجح الأمر بشكل لم أكن أتوقعه، لدرجة أن بعض إخوتي تعاطفوا معي وندموا على اتهامهم لي!
حادثة الكعكة تلك جعلتني أستعيد ثقتي بقدرتي على الكذب، وأنني أستطيع أن أكذب دون أن أُكتشف. وبالفعل، بعد تلك الحادثة، لم أُكتشف في أي كذبة كذبتها.
أنا الآن في الخامسة عشرة من العمر، ومهارتي في أوجها في المنزل، وفي القرية، وفي المدرسة، مع أنني لا أستخدمها كثيراً في المدرسة، فأنا متفوق في دراستي. لكن بعد صدفة قرائية، قررت ألا أكذب أبداً.
وذلك عندما قرأت الحوار التاريخي الشهير بين (أبي سفيان) و(هرقل)، وما لفت نظري في ذلك الحوار هو عبارة أبي سفيان عندما قال: “فوالله لولا الحياء من أن يأثروا علي كذباً لكذبت عنه”.
بعد تلك العبارة، تحفزت لقراءة كل ما يتعلق بالكذب، فخلُصت إلى أنه صفة سيئة تجعل الإنسان يعيش حيوات متعددة، ثم إنها في مجموعها تصبح حياة غير حقيقية.
لقد قررت القرار الذي لا رجعة فيه: ألا أكذب مهما كان ذلك ضرورياً.
مفترق طرق
لم يمض وقت طويل حتى تعرضت لأول اختبار لقراري ذاك، عندما طلب مني أبي إحضار دواء أمي من المدينة (هي ليست مدينة، بل شبه مدينة) من الصيدلية الوحيدة هناك، والتي تبعد عن قريتنا ما يقارب عشرة كيلومترات في طريق شبه خالٍ إلا من مركبات قليلة.
ولأن أخويّ الكبيرين قد سافرا للالتحاق بالجامعة، فإنني الوحيد الذي يمكنه القيام بذلك – فقد درباني قليلاً على القيادة قبل سفرهما.
أخرج أبي مفتاح المركبة من جيبه وناولني إياه، ولم يزد على قوله: “انتبه عند المنحنى في قرية (تواليم)”.
انطلقت إلى الصيدلية، فوجدت الدواء محضراً أمام الصيدلاني ينتظر قدومي لأخذه – هذا الدواء يصرف من مستشفى الملك فيصل التخصصي في العاصمة الرياض ويرسل إلى الصيدلية كل شهر- لاطفني الصيدلاني وسألني عن اسمي لأنها المرة الأولى التي يراني، ففي العادة من يأتي لاستلام الدواء هما أخواي. أخبرته أن اسمي (يوسف)، فتمنى لوالدتي الشفاء، وأبلغني أن أوصل سلامه لوالدي.
لكن ما كنت اتحاشاه وقع !
في طريق عودتي، لم يكن في ذهني إلا منحنى قرية (تواليم). مروري به في الذهاب كان سليماً، لكن في العودة لم أوسّع دائرة الدوران، فاحتكت السيارة بالحجارة المرصوصة في زاوية المنحنى، وخُدشت خدشاً واضحاً من مقدمتها إلى مؤخرتها. وبالتالي، فإني هنا وقعت في مشكلة كبيرة جداً… لقد وقعت فيما حذرني منه أبي!
إن الحذر الشديد من أمر ما، واستحضاره الدائم بالتركيز عليه، يؤدي إلى انجذاب متبادل بيننا وبينه، وهذا يجعل احتمالية الاقتراب والوقوع فيه كبيرة. ذلك يشبه تركيزنا بالنظر إلى لوحة فسيفسائية، فيجعلنا ذلك ننجذب نحو تفاصيلها وننسى حدودها، فنتوه ونسقط خلال المراوحة بين التفاصيل والحدود من شدة الحذر.
الآن، ماذا سأفعل تجاه هذه المصيبة؟! إما أن أنجو بالكذب، وأنا أستطيع وبإتقان أن أمرر الكذبة على أبي وعشرة من أمثاله، وإما أن أقف عند قراري بعدم الكذب مهما كانت العواقب؟!
فقررت ألا أكذب.
لقد كان القرار النهائي
أبي جبار، ولا يمكن التنبؤ بردة فعله عندما أخبره الحقيقة. هيبة أبي تأتي من هذا الغموض في ردات فعله… إحدى المرات عندما كنت في العاشرة، ولسبب لا يستحق، حذف والدتي بكوب حديدي، ورأيت الدم ينزف من أنفها، لأنها تأخرت في إحضار الطعام.
عندما دخلت المنزل، وجدت أمي وأبي في صالة البيت؛ أمي تخيط في ثوب، وأبي متكئ يشرب الشاي. سلمّت، وتوجهت إلى أمي، قبلت رأسها وأعطيتها الدواء. ثم التفت إلى أبي، وبينما أناوله مفتاح السيارة، قلت له: “الصيدلاني يبلغك السلام، وقد حككت السيارة من مقدمتها إلى مؤخرتها، والخدش خارجي”.
قلت له ما حدث بوضوح وثبات، ويُفهم من طريقة وقوفي استعدادي لتحمل كل التبعات والعقاب الذي سيقرره!
لكن المفاجأة أنه لم يزد على أن أخذ المفتاح، وقال: “أنت فاشل، توقعت ذلك منك”.
خرجت وأنا ألمح وجه أمي، فخطر ببالي أن أعود لتقبيل رأسها، لكني اكتفيت بلغة الحب التي رأيتها في عينيها.
الكذبة الأخيرة!
يقول الراوي: عام 1977م، تخرج (يوسف) من الثانوية العامة بتقدير ممتاز، وسجل في جامعة الملك عبد العزيز بكلية الهندسة، وسكن بالسكن الجامعي، وكان يداوم على الذهاب إلى القرية كل أسبوع. كانت الأمور على ما يرام، فهو يتقدم في الجامعة، ويحافظ على رضا والدته بزيارتها كل أسبوع.
عندما يأتي من السفر، فإن أمه تعامله كطفل؛ تتفقده وتشبع أمومتها بالحديث معه والنظر إليه. في إحدى المرات، بمجرد وصوله، عاتبته لأنها شعرت أن وجهه شاحب، ووزنه في نقص. كانت تمسك يده وتتحسس ذراعه وهي تعاتبه، حتى وقعت يدها على لصقة جروح في ذراعه.
سألته عنها، فأخبرها أنه تبرع بالدم، ونسي إزالتها.
خطته
-قال: “أريد منك أمراً، إن وافقتِ عليه فسأكون أسعد إنسان في الدنيا”.
-قالت وهي تبتسم: “ما هو؟ لا تقل أنك وجدت عروساً وتريد الزواج!”.
-قال: “لا، ليست عروسة. أنا رُشحت للدراسة والابتعاث إلى بريطانيا، وأجلت الموافقة حتى آخذ رأيك”.
-بريطانيا! وكم مدة الدراسة؟ وكم تبعد بريطانيا؟ وكيف سأحتمل بعدك عني؟!”.
-مدة الدراسة سنة واحدة إلى سنة ونصف، إنها مدة قصيرة يا حبيبتي، وخلال هذه الفترة سأتواصل معكم بالرسائل وأطلعكم على أخباري أولاً بأول”.
يقول الراوي: وافقت أم يوسف على إكماله دراسته في بريطانيا. لقد كذب يوسف؛ فلم يترشح للابتعاث، بل قال ذلك لأنه أصيب بمرض السرطان، وحالته الصحية كانت تتدهور بشكل واضح، ولم يردها أن تراه بتلك الحالة فتستاء. كان يرسل لهم الرسائل وكأنها تأتيهم من بريطانيا، ورسائلهم كانت تأتي إلى عنوان صديقه في بريطانيا ثم يرسلها له إلى السعودية.
توفيت أم يوسف بعد سنة، وخلال اشتداد مرضها، كانت تطلب منهم أن يرسلوا ليوسف أن صحتها جيدة.
النهاية.
ملاحظة: يمكن القراءة حول السلوك وكيف يتشكل في النظرية العلمية ضمن روايتي (أين الصورة؟)



