مقدمة
من الصفحة الأولى، يشعر ذلك القارئ أن بينه وبين المكتوب أمامه مسافة طويلة، مملة، ومرهقة، ذهنياً وبصرياً، فالحروف، والكلمات، والأسطر المتوالية، تبدو له كطلاسم لا يستوعبها ولا يستسيغها، ثم تتغير ملامحه بوضوح نحو النفور،؛ فيتوقف عن مواصلة القراءة!
تُحيل الدراسات العلمية ذلك إلى أسباب بيولوجية ونفسية وتربوية، لن نستعرضها الآن. —أنا لا أحب بعض هذه الدراسات الإنسانية التي حين تحاول معالجة مشكلة واحدة، تستحدث بسببها مشاكل أخرى لم تكن موجودة أصلاً— لذلك، فضّلت أن أتناول الموضوع من زاوية أخرى، من بُعدٍ آخر يتعلق بوجود الإنسان ككائنٍ حرٍّ وواعٍ، يعيش في الزمان والمكان، ويتفاعل مع بيئته ومع الآخرين.
هذا المقال( الإنسان والقراءة) ليس دفاعاً عن العزوف عن القراءة، ولا تبريراً للجهل، بل هو محاولة للتأمل في طبيعة الإنسان ذاته — في وعيه الفطري، وحريته الأولى، وقدرته على التفكير قبل أن يتعلم كيف يقرأ. إنها رحلة فلسفية تبحث عن الإجابة في مكان أعمق من الورق والحروف… في أصل الوعي ذاته.
والحقيقة أن العلاقة بين الوعي والقراءة ليست دائمًا علاقة نمو؛ أحيانًا تُربكنا القراءة أكثر مما تنيرنا، وتدفعنا إلى أسئلة لم نكن ننوي الدخول إليها. فكلما ازداد احتكاك الإنسان بالنصوص، اكتشف أن الحرية ليست نتيجة تلقائية للمعرفة، بل حالة أعمق تنشأ من فهم الذات قبل فهم الكتب.
الوعي الإنساني: سابقٌ على كل حرف
منذ فجر التاريخ، والإنسان يطرح سؤالاً لا يحرص على الإجابة عليه: هل الوعي مرتبط بالقراءة والكتابة؟ قد يبدو الربط بين القراءة والوعي أمراً بدهياً، لكن نظرة أعمق تكشف أن الوعي سابقٌ على كل مهارة مكتسبة.
فالإنسان وُلد مُدركاً لذاته وللعالم قبل أن يعرف شكل الحروف. لقد كان يتأمل، يتساءل، ويبني تصوراته عن الكون والحياة من خلال حواسه وتجاربه المباشرة. كان الوعي هو الشرارة الأولى، بينما جاءت القراءة كأداة لاحقة لصقل هذا الوعي وتوسيع آفاقه.
الراعي في البرية، محاطاً بغنمه تحت سماء واسعة، كان يتأمل النجوم ويفكر في معنى الوجود قبل آلاف السنين من اختراع الكتابة. كان وعيه حاضراً، عميقاً، وحقيقياً، دون أن يقرأ حرفاً واحداً، وما لديه من الوعي يجعله يقوم بالتعامل الصحيح مع نفسه ومع الواقع من حوله بانسجام في حرية كاملة.
القراءة كتحول نوعي في التاريخ البشري
لم يكن اختراع الكتابة مجرد خطوة تقنية بسيطة، بل كان تحولاً نوعياً في الوعي الإنساني. فمنذ أن بدأ الإنسان يخط رموزه الأولى على الحجر والطين، انفصلت ذاكرته الفردية عن جسده لأول مرة.
أصبحت الأفكار تنتقل من جيل إلى جيل دون أن تحتاج إلى وجود صاحبها. قبل الكتابة، كانت المعرفة تموت بموت الإنسان، أما بعدها، فقد أصبحت قابلة للحفظ والاستمرار. لقد منحت الكتابةُ الذاكرةَ البشرية خلوداً لم تكن تتوقعه.
الإنسان والقراءة : تطور ها عبر العصور
لم تكن القراءة دائماً فعلاً فردياً صامتاً كما نعرفها اليوم. لقد مرت بتحولات كبرى شكلت علاقتنا بالنصوص:
•في الحضارات القديمة (السومرية، المصرية، اليونانية): كانت القراءة مهارة نادرة، يمارسها الكتبة والكهنة فقط، وغالباً ما كانت جهورية.
•في العصور الوسطى الأوروبية: انحصرت داخل الأديرة والكنائس، وكانت نخبوية جداً.
•في الحضارة الإسلامية: تحولت القراءة إلى رسالة حضارية وإنسانية بعد نزول أول آية: “اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ”. أصبحت القراءة مفتاحاً للمعرفة والإيمان.
•عصر النهضة واختراع الطباعة: هنا بدأ الانفجار المعرفي العظيم، وأصبحت الكتب متاحة لشرائح أوسع من المجتمع، مما مهد الطريق لانتشار التعليم والثورات الفكرية.
القراءة في العصر الرقمي: وفرة المعلومات وقلّة الفهم
في عصر الشاشات، لم تعد القراءة فعلاً تأملياً بطيئاً، بل نشاطاً سريعاً ومجزأً. تنتج البشرية اليوم ملايين النصوص الرقمية يومياً. تشير تقارير اليونسكو [1] إلى أن أكثر من 2.1 مليون عنوان كتاب جديد يُنشر سنوياً، بالإضافة إلى مئات الملايين من المقالات والتغريدات والمنشورات.
لكن هذه الوفرة لا تعني بالضرورة زيادة في الفهم. القراءة السريعة أضعفت التفكير التأملي، وأصبح العقل يطلب المعلومة السريعة بدلاً من الفكرة العميقة. تحولت القراءة من فعلٍ للمعرفة إلى فعلٍ للاستهلاك، مما يطرح أسئلة جديدة حول جودة الوعي الذي يتشكل في هذا العصر.
هل خُلق الإنسان قارئًا؟ بين الفطرة والحرية
نعود إلى السؤال الجوهري. منذ فجر وجوده، لم يكن الإنسان بحاجة إلى كتابٍ ليعرف. لقد خُلق مُدركاً، متسائلاً، متأملاً. القراءة ليست أصل الوعي، بل هي ثمرة من ثماره.
الإنسان كان واعياً قبل أن يكون قارئاً، ومتأملاً قبل أن يعرف الحروف.
هذا المنظور يعيد تعريف علاقتنا بالقراءة. إنها ليست واجباً مفروضاً، بل هي خيار حرٌّ لتوسيع الوعي. وكما يوضح مقالنا السابق عن العلاقة بين اليُتم والإبداع، فإن التجارب الوجودية العميقة قد تكون منبعاً للمعرفة لا يقل أهمية عن الكتب.
خاتمة: نحو وعي جديد بالقراءة
ربما آن الأوان أن ننظر إلى القراءة كفعلٍ إنسانيٍّ نابعٍ من رغبة في الفهم، لا من الإكراه. فالقراءة التي لا تنبع من الحرية تتحول إلى طقسٍ آليٍّ لا روح فيه. إنها تصبح مجرد فكٍّ للرموز، لا رحلة في المعنى.
الإنسان خُلق حراً قبل أن يكون قارئاً، ومُدركاً قبل أن يمتلك الحروف. والقراءة الحقيقية هي تلك التي تخدم حريته وتعمّق إدراكه، لا تلك التي تسلبه إياهما.
أسئلة شائعة حول القراءة والوعي
س1: لماذا لا يحب بعض الناس القراءة؟
لأن القراءة تتطلب تركيزاً وهدوءاً، وهو ما قد يتعارض مع إيقاع الحياة السريع. كما أن اعتبارها واجباً قد يُفقدها متعتها. انظر الى كتاب( السؤال القديم) ففيه يشرح المؤلف تأثير التقنية على الإنسان
س2: هل القراءة ضرورية لوجود الوعي؟
الوعي فطري، لكن القراءة توسّع أفقه وتغذيه بالمعرفة والتجارب الإنسانية عبر التاريخ.
س3: هل يمكن أن يكون الإنسان حكيماً دون أن يقرأ كثيراً؟
نعم، فالحكمة تُقاس بعمق الفهم والتجربة، لا بعدد الكتب. هناك حكماء لم يقرأوا كتاباً واحداً.
س4: ما الفرق بين القراءة الحرة والقراءة الإلزامية؟
القراءة الحرة نابعة من الشغف والفضول، بينما الإلزامية تُفرض كواجب، وقد تفقدها جوهرها.
س5: هل قللت التكنولوجيا من حب القراءة؟
نعم، إلى حد ما، لأنها شجعت على السرعة والاستهلاك بدلاً من التأمل، لكنها في نفس الوقت أتاحت الوصول إلى المعرفة بشكل غير مسبوق.
س6: إذن، هل خُلق الإنسان قارئًا؟
لا، لم يُخلق قارئاً، بل خُلق حراً وواعياً. والقراءة هي إحدى أعظم الأدوات التي ابتكرها لخدمة وعيه وحريته.
المراجع
[1] UNESCO. (2022). UNESCO World Book Day Report. UNESCO Publishing. https://www.unesco.org/en/days/world-book-copyright



